العلامة المجلسي
176
بحار الأنوار
النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه . ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة ، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات ، فيتولد فيهما مواد الثمار ، ويستكثف الهواء ، فينشأ منه السحاب والمطر وتشتد أبدان الحيوان وتقوى . وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء ، فيطلع النبات ، وتنور الأشجار ، ويهيج الحيوان للفساد وفي الصيف يحتدم الهواء ، فتنضج الثمار . وتتحلل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض فتهيأ للبناء والاعمال . وفي الخريف يصفو الهواء ، ويرتفع الأمراض ، وتصح الأبدان ويمتد الليل ويمكن فيه بعض الاعمال لطوله ، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام . فكر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة وما في ذلك من التدبير ، فهو الدور الذي تصح به الأزمنة الأربعة من السنة : الشتاء ، والربيع والصيف ، والخريف ، ويستوفيها على التمام ، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار . وتنتهي إلى غاياتها ، ثم تعود فيستأنف النشوء والنمو ، ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل ، فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت وعصر من غابر الأيام ، وبها يحسب الناس الأعمار والأوقات الموقتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من أمورهم ، وبمسير الشمس تكمل السنة ويقوم حساب الزمان على الصحة انظر إلى شروقها على العالم كيف دبر أن يكون ، فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات ، لان الجبال والجدران كانت تحجبها عنها ، فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب ، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار ، فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة منها ، والإرب التي قدرت له ، ولو تخلفت